الجصاص

134

أحكام القرآن

أراد فرقة من اليهود قالت ذلك ، والدليل على ذلك أن اليهود قد سمعت ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنكره ، وهو كقول القائل : الخوارج ترى الاستعراض وقتل الأطفال ، والمراد فرقة منهم لا جميعهم ، وكقولك : جاءني بنو تميم ، والمراد بعضهم . قال ابن عباس : " قال ذلك جماعة من اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك ، وهم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف ، فأنزل الله تعالى هذه الآية " ، وليس في اليهود من يقول ذلك الآن فيما نعلم وإنما كانت فرقة منهم قالت ذلك فانقرضت . قوله تعالى : ( يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ) يعني يشابهونهم ، ومنه امرأة ضهياء للتي لا تحيض ، لأنها أشبهت الرجال من هذا الوجه . فساوى المشركين الذين جعلوا الأصنام شركاء لله سبحانه وتعالى لأن هؤلاء جعلوا المسيح وعزيرا اللذين هما خلقان لله ولدين له وشريكين كما جعل أولئك الأصنام المخلوقة شركاء لله تعالى . قال ابن عباس : ( الذين كفروا من قبل ) يعني به عبدة الأوثان الذين عبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى . وقيل إنهم يضاهئونهم لأن أولئك قالوا : الملائكة بنات الله ، وقال هؤلاء : عزير ومسيح ابنا الله . وقيل : يضاهئونهم في تقليد أسلافهم . وقوله تعالى : ( ذلك قولهم بأفواههم ) يعني أنه لا يرجع إلى معنى صحيح ولا حقيقة له ولا محصول أكثر من وجوده في أفواههم . وقوله : ( قاتلهم الله ) قال ابن عباس : " لعنهم الله " . وقيل : إن معناه قتلهم الله ، كقولهم عافاه الله أي أعفاه الله من السوء . وقيل : إنه جعل كالقاتل لغيره في عداوة الله عز وجل . قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ) ، قيل : إن الحبر العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها ، يقال فيه حبر وحبير ، والراهب الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية ، يقال : راهب ورهبان ، وقد صار مستعملا في متنسكي النصارى . وقوله : ( أربابا من دون الله ) قيل فيه وجهان ، أحدهما : أنهم كانوا إذا حرموا عليهم شيئا حرموه وإذا أحلوا لهم شيئا استحلوه . وروي في حديث عدي بن حاتم لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال : فتلا النبي صلى الله عليه وسلم : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) قال : قلت يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم ! قال : " أليس كانوا إذا حرموا عليهم شيئا حرموه وإذا أحلوا لهم شيئا أحلوه ؟ " قال : قلت : نعم ، قال : " فتلك عبادتهم إياهم " . ولما كان التحليل والتحريم لا يجوز إلا من جهة العالم